أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
307
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقرأ زيد بن علي ، والجحدري : « إنّ ربّك هو الخالق . . . » وكذا هي في مصحف أبي وعثمان . والعامة على نصب « . . . وَالْقُرْآنَ . . . » وفيه أوجه : أحدها : من عطف بعض الصفات على بعض ، أي : الجامع بين هذين النعتين . الثاني : أنه من عطف العام على الخاص ، إذ المراد ب « السّبع » إما الفاتحة ، أو الطوال فكأنه ذكر مرتين بجهة الخصوص ، ثم باندراجه في العموم . الثالث : أن الواو مقحمة . وقرىء : « والقرآن » بالجر ، عطفا على « الْمَثانِي » . قوله : كَما أَنْزَلْنا . . . . فيه أقوال . أحدها : أن الكاف تتعللق ب « آتَيْناكَ » ، وإليه ذهب الزمخشري ، فإنه قال : « أي أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون « الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ » . والثاني : أنه نعت لمصدر محذوف منصوب ب « آتَيْناكَ » تقديره : آتيناك إتيانا كما أنزلنا . والثالث : أنه منصوب نعتا لمصدر محذوف ، ولكنه ملاق ل « آتَيْناكَ » من حيث المعنى ، لا من حيث اللفظ ، تقديره : أنزلنا إليك إنزالا كما أنزلنا ، لأن « آتَيْناكَ » بمعنى : أنزلنا إليك . الرابع : أنه نعت لمصدر محذوف ، والعامل فيه مقدر أيضا ، تقديره : متعناهم تمتيعا كما أنزلنا ، والمعنى : نعمنا بعضهم كما عذبنا بعضهم . الخامس : أنه صفة لمصدر دل عليه « النَّذِيرُ » ، والتقدير : أنا النذير انذارا ، كما أنزلنا ، أي : مثل ما أنزلناه . السادس : أنه نعت لمفعول محذوف ، الناصب له « النَّذِيرُ » ، تقديره : النذير عذابا ، كما أنزلناه على المقتسمين . وهم قوم صالح ، لأنهم قالوا : « لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ » « 1 » فأقسموا على ذلك ، أو يراد بهم قريش حين قسموا القرآن إلى سحر وشعر وافتراء . وقد ردّ بعضهم هذا بأنه يلزم منه أعمال الوصف موصوفا ، وهو غير جائز عند البصريين ، جائز عند الكوفيين ، فلو عمل ثم وصف جاز عند الجميع . السابع : أنه مفعول به ناصبه « النَّذِيرُ » أيضا . قال الزمخشري : « والثاني : أن يتعلق بقوله : « وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ، أي : وأنذر قريشا مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين ، يعني اليهود ، وهو ما جرى على قريظة ، والنضير » . وهذا مردود بما تقدم من إعمال الوصف موصوفا . الثامن : أنه منصوب نعتا لمفعول به مقدر ، والناصب لذلك المحذوف مقدر أيضا لدلالة لفظ « النَّذِيرُ » عليه ، أي : أنذرتكم عذابا مثل العذاب المنزل على المقتسمين ، وهم قوم صالح أو قريش . قاله أبو البقاء . وكأنه فر من كونه منصوبا بلفظ « النَّذِيرُ » لما تقدم من الاعتراض البصري . وقد اعترض ابن عطية على القول السادس ، فقال : « والكاف من قوله « كَما » متعلقة بفعل محذوف تقديره : قال : « إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ » عذابا كما أنزلنا ، فالكاف اسم
--> ( 1 ) سورة النمل آية ، ( 49 ) .